في ظل مناخ التغييرات الاجتماعية السريعة، أتيحت للرجال الفرصة للمشاركة بصورة اكبر في متعة ومسئولية الحياة الجنسية والإنجابية.
كتب / محمود ف. فتح الله أستاذ أمراض النساء والولادة، جامعة أسيوط، مصر
نتورك بالعربيّة:مجلد 19 عدد 1، 1999
إن المساهمة الأساسية للذكر بيولوجيا في العملية الإنجابية تقتصر على تقديم جزء صغير من مادته الوراثية. أما العبء الأكبر للعملية الإنجابية، فيقع على عاتق الانثى. وهو المبدأ الذي يمكن تطبيقه على جميع أجناس الحيوانات. وبالرغم من ذلك، اصبح للرجل دور موسع في العملية الإنجابية خلال تطورنا. كما تم "ابتكار" مؤسسات الزواج والأسرة لتمنح الرجال إطارا لينفذوا من خلاله حقوقهم ومسئولياتهم الإنجابية. وقد اكتسبت المجتمعات على مدار التاريخ الإنساني، من خلال الدين، والقانون، والعادات معايير مختلفة للإنجاب وحياة الأسرة، مع أدوار معروفة محددة لكلا النوعين.
وقد تم تقليص دور المرأة لفترة طويلة لتخدم احتياجات البقاء للإنسان. ولكن تنفيذ الالتزام بتعمير الأرض، حيث ضحت مئات الملايين من النساء بحياتهن في تلك العملية، فان الجنس البشري يمر الآن بثورة إنجابية اجتماعية - حيوية كبرى. وفكرة تبني مبدأ أسرة أصغر، وما يتبعها من انخفاض شديد في معدلات الخصوبة الكلية، لا ينبغي أن ينظر إليها في حدود المفاهيم الديموغرافية فقط. فهي تعني أن الأفراد _ وخاصة النساء _ قد اصبح لهم القدرة على التحكم في قدرتهم على الإنجاب وعلى أن يخططوا لحياتهم، وتعني أن أطفالا أكثر يولدون بالاختيار وليس بالصدفة، وأن هذا الإنجاب يمكن أن يخطط ليحدث في الأوقات المناسبة لإنجاب الأطفال لضمان صحة أفضل للسيدات والأطفال، وتعنى أيضا أن تكون الأسرة قادرة على أن تستثمر أكثر نسبيا من خلال عدد اصغر من الأطفال المحبوبين، في محاولة لإعدادهم لمستقبل أفضل. وهي تعني أيضا أن تقضي النساء وقتا أقل وأقل من حياتهن في إنجاب الأطفال وتربيتهم، وأن يكون لديهن اختيارات أوسع في حياتهن. وأخيرا، تظهر المرأة من خلف الأم.
وللثورة الإنجابية عواقب رئيسية للسيدات والرجال. ولا يجب أن ينظر لارتقاء المرأة على اعتبار أنه تجنيب أو تهميش لدور الرجل، كما لا يجب أن يرى كإشارة للرجال كي يفلتوا بمسئولية أقل فيما يتعلق بالإنجاب وحياة الأسرة. فان تقدم وضع المرأة يعنى الحاجة إلى دور ومسئولية جديدة موسعة وإيجابية للرجال.
والتغير الاجتماعي ليس بالشيء اليسير أبدا. فما زالت مجاراة الواقع الجديد بالمساواة مع السيدات صعبة بالنسبة لبعض الرجال في مناطق عديدة من العالم. وما زالت معظم السيدات والبنات في العالم يعشن اليوم تحت ظروف تحد من تحصيلهن العلمي، وتقيد مشاركتهن الاقتصادية، وتخفق في أن تضمن لهن حقوقا وحريات متساوية، مقارنة بالرجال. فعلى الرجال تقع مسئولية أن يقفوا خلف وبجانب السيدات، وأن يتعاملوا معهن كمساويات لهم.
والأمر هو ليس أن المرأة لم تزل معوزة لما يكفل لها مركزا متكافئا في المجتمع فحسب، ولكنها أيضاما زالت لهم تعتبر ضحية. وأكثر أشكال العنف النوعي (ضد النوع -- قضايا الجنسين) انتشارا هو الإساءة للمرأة على يد شركائها الأكثر قربا من الرجال. ولا توجد بيانات يمكن أن يعتمد عليها فيما يتعلق بنسبة حدوث الاغتصاب، حيث أن تلك البيانات يتم إخفاؤها ولا يتم الإبلاغ عنها بالكامل. كما أنه مجموعة كبيرة من الضحايا من البنات الصغيرات جدا. وفي أوقات الحروب، تم تسجيل عمليات الاغتصاب الجماعي في العديد من البلدان. والاغتصاب والاعتداء الجنسي، أكثر من غيرها من الأنواع الأخرى من الإصابات، يسببان أذى عضويًا ونفسيًا عميق. فهما انتهاك لحرية وكرامة الإنسان.
وللمرأة حياة إنجابية تمتد حوالي 30 عاما، يمكنها خلالها الحمل. فإذا أنجبت المرأة طفلا أو طفلين فإنها بالتالي تقضي من عام إلى ثلاثة أعوام فقط في عملية الحمل والإنجاب. ويكون عليها وزوجها أن يستخدما وسائل تنظيم الأسرة خلال السنوات الباقية، إذا كانا سيستمران في النشاط الجنسي. وعليه، فسوف تلعب تقنية وسائل تنظيم الأسرة، من الآن فصاعدا، دورا حاسما في الحياة الإنجابية. وقد قدمت الثورة الحديثة في وسائل تنظيم الأسرة للمرأة وسائل يمكن الاعتماد عليها في التحكم في الإنجاب، وهي وسائل يمكن أن تستخدمها بشكل مستقل عن المشاركة الضرورية للرجل. ولكن كان هناك ثمن لذلك. فقد تقلص دور ومسئولية الرجل عندما اعتبر أن تنظيم الأسرة من اختصاص المرأة. وعدم الاتزان هذا بين الرجل والمرأة من حيث التحكم في الإنجاب يحتاج إلى إعادة النظر. فللرجل الحق في المشاركة في متعة ومسئولية تنظيم الإنجاب.
ومع الاتجاه السائد على مستوى العالم لتبنى فكرة الأسرة الصغيرة، أصبح الجنس جزءا هاما في صحتنا النفسية والاجتماعية بشكل متزايد، بينما تقلص دوره كوسيلة للتكاثر. وإحدى النتائج التي يؤسف لها كانت ظهور تحد كبير للصحة العامة، وهو: تفشي العدوى المنقولة بالاتصال الجنسي. وبالتالي أصبحت أهمية مشاركة ومسئولية الرجل في المواضيع الجنسية امرًا حيويًا. إذ انه لمزيج من الأسباب البيولوجية والاجتماعية، فان المرأة هي الأكثر عرضة للمعاناة كنتيجة للعدوى المنقولة بالاتصال الجنسي. وأكثر الوسائل المؤثرة المتاحة للحماية، الواقي الذكرى، يتحكم بها الرجال.
ويجب أن تصبح وصمة العار المتمثلة في وفاة الأمهات من ذكريات الماضي في عصر يكون به كل حمل مرغوبًا، ومخططًا، وآمنًا. وبالرغم من ذلك، يشير تقرير حديث منظمة اليونيسيف مستندا إلى بيانات عام 1990 إلى أن تقدير إجمالي عدد وفيات الأمهات في العالم يصل إلى 585000 كل عام بزيادة 20% عنه في التقديرات السابقة. وتلك السيدات لا تمتن كنتيجة لمرض لا نقوى على مداواته. وعليه، فعلى الرجال مسئولية، فردية وجماعية، لضمان حق الحياة للسيدات اللاتي يلدن أبناءهن.
وتتضمن الثورة الإنجابية دورا موسعا للرجل في تربية الأبناء. والدليل على فائدة ذلك على الأطفال غير قابل للنقاش، بينما لم تتم بعد ملاحظة فائدة الأمر ذاته على الرجال. وان كان هناك درس لنتعلمه من اقرب أقربائنا في المملكة الحيوانية. فقد أشارت البحوث الحديثة إلى أن الاختلاف في طول عمر الأجناس بين القرود يعتمد على أي من الأبوين يرعى الأبناء ومقدار الجهد المبذول في تلك الرعاية. ويعد ذكر الشمبانزي مثالا سيئا للأب، وتحيى أنثى الشمبانزي حوالي 40% أطول من عمر الذكر. بينما في حالة قرود التيتي والبومة، والتي تعتبر ذكورها آباء جيدين، إذ يتولون عملية حمل الصغار إلى أن يتمكنوا من التحرك بصورة آمنة ومستقلة بين الأشجار. فقد كوفئ ذكور قرود التيتي والبومة بعمر أطول بحوالي 20% عن الإناث. وعند توفر دراسات حول الرجال، فلن تكون مفاجئة لنا أن نجد أن الرجال الذين يتحملون مسئولياتهم الأبوية بجدية تمّ مكافأتهم من الطبيعة، وحتى إن لم تكن المكافأة على هيئة إضافة سنوات لأعمارهم، فتكون بإضافة حياة اكثر لتلك الأعمار.
وتجتاح الثورة الإنجابية العالم، وان كان ذلك يتم على سرعات مختلفة. ولا تختلف المنطقة العربية عن غيرها. وفي ظل مناخ التغييرات الاجتماعية السريعة، أتيحت للرجال الفرصة للمشاركة بصورة اكبر في متعة ومسئولية الحياة الجنسية والإنجابية. ويساعد هذا العدد الخاص من نتورك Network على توضيح الطريق أمامنا.